قطب الدين الراوندي
59
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
وقرنها إلى حده : أي جمع الريح وضمّها إلى حد الماء ، والهواء من تحت الريح مفتوق ، والماء من فوق الريح مصبوب بسرعة ، ودفيق بمعنى مدفوع أكثر . واما المعنى : فإنه يقول : كانت السماوات مرتفعة مطبقة ففتقها اللَّه سبع سماوات ، وكانت الأرضون كذلك ففتقها اللَّه سبع أرضين ، كما هو مضمون الآية « أَولَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ والأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما » ( 1 ) . والمعنى كانتا ملتزقتين ففصلنا بينهما بالهواء . ولا خلاف أن فتق الأجواء ليس هو بخلق لها ، وانما هو فصل سماء من سماء واظهار هواء بينهما . ثم ذكر بعد هذا تمام التدبير الإلهي الذي فيه المصالح والألطاف إذا علموا بفصل ذلك أو جملته ، وجاء في الاخبار : ان اللَّه لما أراد خلق السماء والأرض خلق جوهرا اخضر ، ثم ذوبه وجعله ذائبا ، فصار ماء مضطربا ، ثم أخرج من ذلك الماء بخارا ودخانا مرتفعين ، فخلق من ذلك الدخان السماء كما قال « ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ » ( 2 ) ، ثم فتق تلك السماء فجعلها سبع سماوات ، ثم جعل من ذلك الماء زبدا وخلق منه أرض مكة ، ثم بسط الأرض كلها من تحت الكعبة ، ولذلك تسمى مكة أم القرى لأنها أصل جميع الأرض ، ثم شق من تلك الأرض سبع أرضين وجعل بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام ، وكذلك بين كل أرض وأرض ، وكذلك بين هذه السماء وهذه الأرض ، ثم بعث ملكا من تحت العرش حتى حمل الأرض على منكبه وعنقه ومد اليدين فبلغت أحداهما المشرق والأخرى إلى المغرب ، ثم بعث لقرار قدم ذلك الملك بقرة من الجنة
--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 30 . ( 2 ) سورة فصلت : 11 .